فخر الدين الرازي
403
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الخبر ، تقول : إن زيدا منطلق وعمرا وعمرو بالنصب على اللفظ ، والرفع على موضع ( إن ) واسمها ، لأن الخبر قد تقدم ، وأما قبل ذلك الخبر فهو غير جائز ، لأنا لو رفعناه على محل ( إن واسمها ) لكان العامل في خبرهما هو المبتدأ ، ولو كان كذلك لكان العامل في خبرهما هو الابتداء ، لأن الابتداء هو المؤثر في المبتدأ والخبر معا ، وحينئذ يلزم في الخبر المتأخر أن يكون مرفوعا بحرف ( إن ) وبمعنى الابتداء فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان ، وأنه محال . واعلم أن هذا الكلام ضعيف ، وبيانه من وجوه : الأول : أن هذه الأشياء التي تسميها النحويون : رافعة وناصبة ليس معناها أنها كذلك لذواتها أو لأعيانها ، فإن هذا لا يقوله عاقل ، بل المراد أنها معرفات بحسب الوضع والاصطلاح لهذه الحركات ، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد غير محال ، ألا ترى أن جميع أجزاء المحدثات دالة على وجود اللَّه تعالى . والوجه الثاني : في ضعف هذا الجواب أنه بناه على أن كلمة ( إن ) مؤثرة في نصب الاسم ورفع الخبر ، والكوفيون ينكرون ذلك ويقولون : لا تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر البتة ، وقد أحكمنا هذه المسألة في سورة البقرة . والوجه الثالث : وهو أن الأشياء الكثيرة إذا عطف بعضها على البعض فالخبر الواحد لا يكون خبرا عنها ، لأن الخبر عن الشيء عبارة عن تعريف حاله وبيان صفته ، ومن المحال أن يكون حال الشيء وصفته عين حال الآخر وصفته ، لامتناع قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة . وإذا ثبت هذا ظهر أن الخبر وإن كان في اللفظ واحدا إلا أنه في التقدير متعدد ، وهو لا محالة موجود بحسب التقدير والنيّة ، وإذا حصل التعدد في الحقيقة لم يمتنع كون البعض مرتفعا بالحرف والبعض بالابتداء ، وبهذا التقدير لم يلزم اجتماع الرافعين على مرفوع واحد . والذي يحقق ذلك أنه سلم أن بعد ذكر الاسم وخبره جاز الرفع والنصب في المعطوف عليه ، ولا شك أن هذا المعطوف إنما جاز ذلك فيه لأنا نضمر له خبرا ، وحكمنا بأن ذلك الخبر المضمر مرتفع بالابتداء . وإذا ثبت هذا فنقول : إن قبل ذكر الخبر إذا عطفنا اسما على اسم حكم صريح العقل أنه لا بدّ من الحكم بتقدير الخبر ، وذلك إنما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة ، وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكر من الالتزام واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بيّن أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا ، بين أن هذا الحكم عام في الكل ، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن باللَّه واليوم الآخر وعمل صالحا ، وذلك لأن الإنسان له قوتان : القوة النظرية ، والقوة العملية ، أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق ، وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير ، وأعظم المعارف شرفا معرفة أشرف الموجودات وهو اللَّه سبحانه وتعالى ، وكمال معرفته إنما يحصل بكونه قادرا على الحشر والنشر ؛ فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان باللَّه واليوم الآخر ، وأفضل الخيرات في الأعمال أمران : المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود ، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق / كما قال عليه الصلاة والسلام : « التعظيم لأمر اللَّه والشفقة على خلق اللَّه » ثم بيّن تعالى